تسجيل دخول المنتسبين
اسم المستخدِم:
كلمة السرّ:
سجّل
Kamel Abu Saqer
Legal Consultancy 75303
Dubai AE
Tel +971 4 3347447
Fax +971 4 3350644
راسلنا إلكترونياً

العولمة

 

التجارية والإدارية والقانونية

رؤية إسلامية جديدة

 

 

 

 

 

 

الجزء الثاني

 

الأساليب والآليات والنظم

 

تأليف

كامل أبو صقر

محامي ومستشار قانوني وإداري

وخبير عولمة تجارية

الإهداء

 

إلى والدي

 

وزوجتي

 

وأولادي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شكر وتقدير

        لا بد من الاعتراف بالجميل والشكر لجميع من ساهم وشارك وساعد في الجزء الثاني من الكتاب، والذين وفورا لي البيئة المناسبة لاختبار المواضيع التي تخص هذا الكتاب، والتي تصقل الدراسة النظرية لها، ولا يسعني إلا أن أتقدم إليه بالشكر الجزيل والعرفان وأرجو من الله تعالى أن يجزيهم خيرا وثوابا على ما قدموه، وكذلك فإنني أتقدم بالشكر إلى جريدة البيان والتي نشرت الكتاب على حلقات، فكان لتعليقات وملاحظات القراء الأثر الجيد الذي دعانا إلى الأخذ ببعضها.

 

ولا بد أيضا من تقديم الشكر والعرفان إلى الدكتور غسان خواجة على ما قدمه من دعم ومساندة وتوجيهات كان لها الأثر الكبير.

 

        ولا ننسى أن نشكر أيضا دار الوسام، ودار الآداب والقائم عليها الأستاذ/ غازي عطوة ونجله وسام غازي على مساندتهما ومساعدتهما لإخراج الجزء الأول، وهذا الجزء إلى النور، وإلى دار الهلال ممثلة بالحاج/ أحمد مغنية والذين قاموا بطباعة هذه الأجزاء ونشرها.

 

        ولا ننسى أيضا الدكتور/ ثابت مكاوي، والأستاذ الكاتب/ كامل يوسف، والأستاذ/ أحمد القاضي، والأستاذ/ فوزي صالح، والأستاذ/ موسى أبو عيد من جريدة الخليج، والأستاذ/ أحمد كفافي وجميع زملائهم الصحافيين على ما قدموا من كتابات وتعليقات وملاحظات حول الجزء الأول.

        وفي النهاية لا بد من الشكر والامتنان إلى السيدة/ أميرة الخفش، والآنسة/ منى أحمد فوزي واللتين قامتا بطباعة الجزء، وكذلك إلى الأخوة كمال وخير الدين شعبان وعلي وعبد السلام أبو صقر، والذين كان لدعمهم المتواصل أكبر الأثر، وجميع الأصدقاء والمدراء الذين لا يتسع المجال لذكرهم.... لهم منا الشكر والعرفان ومـــن الله الثواب والأجر.

 

كامل أبو صقر      

 

 

تصدير للجزء الثاني

 

بعد نجاح الجزء الأول من الكتاب، ها نحن ننصب إلى الجزء الثاني، مناوشين أساليب العولمة التجارية والإدارية والقانونية، ومفندين آلياتها، ومحاورين نظمها، وذلك في سبيل أن ينصب مضاربنا مضاربا ومعولما العالم بأنموذجه الرباني، ومحققا لهدف الأمة الذي هو هدفه.    

 

لقد أبدى البعض تحفظا على مسألة الربط بين أهداف المضارب، وأهداف الأمة وأعتبر ذلك نوع من التنظير ومسألة وهم وخيال، هذا التحفظ محل نظر، فالناس بشكل عام، والمضاربين بشكل خاص، والذين يشكلون كيان الأمة، ينبغي أن يعزز الاتصال بينهم، ولتعزيز الاتصال وخلقه، يتوجب  جمعهم على شيء معين خارج شبكة ودائرة الناس والمضاربين، ليتبع بعد عملية الجمع، التركيز على ذلك شيء خارجي ليصبح عملا مشتركا بينهم فأهداف الأمة، والتركيز عليها، هي عمل مشترك، ونظرية المضاربة واحدة من الآليات التي تجمع المضاربين المجددين، ليقوموا بالتركيز على العمل والتجديد من أجل تحقيق أهدافهم وأهداف الأمة، فالمضارب مدين للأمة التي تمده بالوجود والعمق، وهو مدين لنظمها ولأعضائها، ولكل إنسان في شبكة هذه الأمة.

 

هنا يتوجب على المضارب، أن يعرف لمن وممن يأخذ، وأن يقرر ما يحتاجه، ولمن يجب أن يقدم ذلك، لتحقيق هدف الأمة الذي هو هدفه، بأن القرن الحادي والعشرين هو قرنه.

 

لقد سخر بعض الناس من فكرة أن القرن الحادي والعشرين هو قرنا إسلاميا، ومع أن هذه الفكرة ليست جديدة، ولكن الجديد فيها أن هناك وسيلة تطوير داخلية لها، واستراتيجية القفز بخطوات واثقة، اعتمادا على أنه لا يوجد شيء نخسره ولدينا كل الأسباب للنجاح والتمكين في الأرض، وهو مـا يجعل المضارب في القرن الحادي والعشرين، مضاربا معرفيا أو معلوماتيا، مسئولا عن عمله، ومستقلا بأداء عمله، ومجددا مستمرا بالنوعية والكيفية لا بالكمية، فإذا كان المضارب كذلك، فسوف يكون لدينا مجموعة من المضاربين سواء بالإدارة أو بالتجديد أو بالتقنية أو بالمعرفة، منسجمين معا، وقادرين على التعامل مع أي مشكلة على أنها فرضية ونظرية يجب إخضاعها للموضوعية والمنهجية العلمية، وأن يكونوا أيضا قادرين على التعامل ليس مع المشاكل الموجودة بل أيضا المشاكل التي يمكن توقعها.

 

إذا قام المضارب بالإدارة بإدارة نفسه، فسوف تقوم هذه الأمة بإدارة نفسها، وإذا غير المضارب نفسه، فسوف يغيره الله عز وجل، وهنا فقط تبدأ الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل نحو تحقيق الهدف.

 

منح الله سبحانه وتعالى الإنسان العقل والروح والنفس والسمع والأبصار والأفئدة، وميزه عن غيره من المخلوقات بميزة الاختيار وعبادة الله عن حب واختيار، أي، عن حرية والطوع، وهنا تكون العبادة أكثر إخلاصا ومسؤولية ممن يعبد عن كره وإجبار، ومع أن العبادة عمل تدخل بمجموع أعمال المضارب الذي يصل إلى درجة المضارب بالمعرفة والمعلومات، والذي سيقوم بالعمل باختياره، ولن يفرض عليه أحد أن يعـمل، سواء كان رب العمل أو عوامل البيئة من حوله، فهو لا يحتاج إلى أذن للعمل، بل سيقدم عليه وعلى المساهمة به، وسيكون حرا، بالتالي، أكثر إخلاصا ومسئولية، وهو يعود بذلك إلى الميزة والخاصية الأساسية للإنسانيـة وهي عبادة الله عن طوع واختيار ومسؤولية ودون إكراه.

لقد أشرنا في الجزء الأول من الكتاب، أن واحدا من أسباب إخفاقنا في عولمة العالم، هو عدم القدرة على الانعتاق بالمبادئ والأفكار والابتكارات، فكثيرا من الإبداعات والتجديدات، لم يمارس أصحابها عملها باختيارهم بل لأن الخليفة أو السلطان طلب ذلك أو لأن الظروف والبيئة فرضت عليهم ذلك العمل، فمعظم هذه الابتكارات والتجديدات لا يوجد بها نفحة الحرية والانعتاق، وبالتالي لا مسؤولية، فبقدر جرعة الحرية بقدر ما يكون هناك مسؤولية.

على العموم، فإن البعض، قد وصف نظرية المضاربة بالإدارة وأهداف المضارب بثورة المضارب، والبعض وصف الكتاب بأنه كتاب القرن، والبعض شبه الكتاب بالفاكهة الجديدة المختلفة عن الفواكه الموجـودة، والبعض أخذ على الكتاب دعوته إلى التغيير الجوهري والثوري مع عدم استعداد الإنسان العربي لذلك.

كلمة أخيرة، قبل أن ننهي هذا التصدير، نقولها للجميع أنه من الخطأ أن نتجاهل أن هناك تغيير، ومن الخطأ أن نعتبر الأمس كاليوم واليوم كغد، وعلينا أن نكف عن العيش بالماضي، وعلينا أن نفكر بالمستقبل، وأن نعمل عمل المستقبل، وأن نقول أن القرن القادم قرننا، وأن نعمل من أجل ذلك، ونحاول فالكارثة والطامة الكبرى أن لا نحاول أن نجعله قرننا.                                                                                    المؤلف

 

 

 

 

 

مقدمة عامة للكتاب:

 

كتب الكثير عن العولمة، مقالات وأبحاث، وخصصت المجلات والصحف صفحات وأعمدة، بل أعدادا بأكملها للعولمة، وعقدت الندوات والمؤتمرات، وأصبح مصطلح العولمة على لسان كل قارئ وحديث الساعة.

 

للأسف لم تكن الكتابات التي كتبت، والأبحاث التي نشرت، إلا شذرات وأفكارا مترجمة، وشيئا من هنا وشيئا من هناك، والأكثرية تدق ناقوس الخطر، وبعضهم يحرك أصابعه على أوتار العولمة، ويستمع إلى أنغامها ما بين رافض لها؛ لكونها شرا، واختراقا ثقافيا، وغزوا حضاريا، وتهميشا للأمم، وأنمذجة للعالم وتنميطا للسلوك والثقافة وأمركة لكل شيء... وبين من يراها المنقذ من التخلف والانحطاط، وأنها نافذة على التطور والتقدم، وناقل للتكنولوجيا ووسائل الإنتاج… وكل واحد منا ينظر إلى المسألة من خلال منظاره وعندياته وخبراته السابقة، ومن تعاملاته مع العولمة، فكان رأيه مقولبا، وحكمه جاهزا، دون أن يشارك في صنع الأحداث منتظرا وقوعها سواء كانت أحداث العولمة وحلقاتها ومراحلها أم غيرها، لنستجيب لها حتى دون ممارسة استراتيجية رد الفعل… فهل يكون هذا الكتاب نوعا من المحاولة الذهنية لجعل الأشياء تحدث وفق رؤيتنا ومنهجنا؟ هل يكفي ذلك؟ لا، بل لا بد من أن نفهم قدراتنا، وهو عمل صعب للغاية على المدى القصير، قد يؤدي إلى الوحدة والحصار، وأحياناً إلى الفزع والمرض والمجاعة، ولكن أي ثمن ندفعه في سبيل الدعوة إلى أنموذجً يترك بصماته على الأحداث العولمية على الأقل، هو ثمن زهيد مقابل التمتع بالشخصية المستقلة والمشاركة في صنع الأحداث، وثمن غال لا يقدر بمال،

إذا كان مقابل جعل القرن الحادي والعشرين قرننا، والعالم يتعولم بعولمتنا!!!

لقد أخفقنا في أن نعولم العالم في مرحلة من المراحل وحقبة من الحقب الزمنية، ولم نقم بالإجابة عن السؤال المهم: لماذا أخفقنا ونجح غيرنا؟ هل كان ذلكبسبب الطبيعة الخصوصية والشخصانية لمنهجنا؟ أم كان ذلك لأننا مخلصون بعملنا الفكري والعلمي، فالعلم للعلم، والفكر للفكر الخالص؟ أم كان ذلك يعود إلى إخفاقنا في تظريف الظروف، وتجديد الأفكار والإبداعات، وتطويعها، لتكون ذات منفعة اقتصادية، قابلة للتداول تجارياً، ومتميزة عن غيرها؛ لتكون الباعث على الانعتاق من القالب الفكري الخالص، إلى الواقع العملي النفعي !!!

 

  1. ابتعدنا عن الموضوعية والعلمية والعقلانية والمنهج النظمي للتفكير، وآثرنا الصوفية والنرجسية في فهم ذواتنا، وفي فهم قدراتنا ومواردنا وحضارتنا والقرآن الذي بين أيدينا، وهل فهمنا أننا لا نزال مستعمرين بشكل غير مباشر، ومستقلين استقلالاً شكليا،ًوأن الاستعمار المباشر لا يزال حياً في فلسطين، وأننا مخترقون ثقافياً، ولسنا سوى مخلوقات استهلاكية تنكمش انكماشاً عكسياً وتنازلياً في طريق التخلف، وتسير نحو الفناء الحضاري، عاجزين عن فهم حاضر البيئة التي حولنا؟ فنحن في قلب العالم ووسطه جغرافياً وحضارياً وفكرياً ودينياً، فهل حللنا وناقشنا ماذا في الشمال؟ وماذا في الجنوب والغرب والشرق؟ وهل قمنا بترتيب المخاطر التي تؤثر فينا ونتأثر بها؟ وهل قمنا بجمعها وترتيبها من حيث الأولوية، أم نظرنا نظرة كلية إلى العالم، وحددنا أهم العناصر وأخطرها، وأصبحنا على علم بها على الأقل؟ وهل قمنا ببلورة مهمتنا في هذه الحياة؟ وهل جرؤ أحد أن يصوغ أهداف هذه الأمة، وأن يشارك الشعوب في صياغة هذه الغايــات والأهداف؛ لتصبح أهداف الأمة أهدافا لكل شخص؟ فنجاح الأمم إنما يكون بوعيها لأهداف كل فرد. فعندما يشعر الفرد بأن أهداف الأمة هي أهدافه، فإنه يرحب بها ولا يقاومها، ويقبل على تنفيذها بدون رقيب أو عتيد، وما على القيادة إلا أن تقيس هذا الإنجاز، وتكافئ من أدى دوره وحقق أهدافه، التي هي أهداف الأمة، وتضع له أهدافا أصعب في حالة تحقيقه الهدف الأول، أو تساعده على تحقيقه إذا لم تشعر بذلك.

 

  1. وهل تم توليد خيارات واتجاهات، وتم وضعها  على ضوء المهمة والأهداف، والتحليل والتقييم الداخلي للقدرات، والتحليل التقييمي الخارجي للبيئة لنقل: إن استراتيجيتنا هي التنمية الطويلة أو الاختزال والقفز، أو فهم التكنولوجيا، أو تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية، أو دعم الأعمال الصغيرة أو الكبيرة، أو التصدير، أو البقاء على ما نحن عليه، أو الاندماج، أو التحالف مع تكتلات عالمية وإقليمية، فهل تم وضع الأسلوب الداخلي وطريقة العمل الداخلية لتحقيق ذلك؟ وماذا عن التطبيق والتنفيذ والرقابة على التنفيذ والأداء، والتعامل مع عوامل التغيير والإنسان ومدى تقبله لهذا التغيير والمجموعات والأقليات ، ومدى تأثير ذلك في الإنجاز... باختصار، نحـن لا نملك، سواء على الصعيد الفردي أم الجماعي، خطة عمل، ولا خطة استراتيجية، لا طويلة المدى ولا قصيرة؛ للتعامل مع العولمة، ولا حتى رؤية معينة، لأننا أصبحنا مستهلكين فقط، ومتمسكين باستراتيجية  أن لا نعمل شيئا، وليس بالإمكان أحسن مما كان، أو ما هو كائن فعلا.

 

  1. كثيرون هم الذين يستسهلون سياسة وثقافة التعليق والنقل والتحويل وثقافة اللوم… والقليل هم الذين يقفون ويتأملون ويحاسبون أنفسهم وقدراتهم، ويحاولون الانسجام مع الطبيعة والبيئة المحيطة بهم، والتعامل معها في سبيل

 تحقيق أهدافهم، وهم بالتالي ينأون بأنفسهم عن ثقافة لوم الآخرين، وتعليق الأمور، ونقلها، وتحويلها إلى غيرهم، وبخاصة ما يسمى بالمؤامرة الخارجية. أولئك ليسوا إلا كـ(دون كيشوت) يحاربون طواحين الهواء، أو كما قال الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه: "حديث المبادرة" (الذين يتحدثون عن الفرصة الضائعة يتهربون من المسؤولية ودفعها بسوء الحظ، ولا أحد يريد أن يعترف بسوء التقدير)، ولا أحد يريد أن ينظر ويقدر الأمور من منطلق كونها نظاما، أو مركزا متعلقا بالنظم والمراكز الأخرى وأن لهذا المركز واجبات وحقوقا.

 

  1. وبعضهم يقترح العودة إلى نماذج سابقة للممارسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والطائفية وقفل الباب أمام الآخر والعالم… ومن هؤلاء القليل الذين لا يقترحون العودة إلى النماذج السابقة، وإنما يقترحون بأن نتدبر القرآن، وأن نستلهم منه أنموذجا صالحا لكل الأجيال ولكل العالـم، وأن يكون هذا الأنموذج مرنا، ويتكيف مع الشمال والجنوب والشرق والغرب، بنظرة نظمية، تدعونا إلى مسايرة مدخلات التطور والتقدم والتجديد والحداثة وعملياتها ومخرجاتها، دون الركون إلى الماضي، لجعله مرتكزاً لأهدافنا وتطلعاتنا بقدر ما يمكن جعل الماضي حافزاً للسير نحو التقدم والتطور، للتعامل مع العولمة والكون، وتخصيب ما هو صالح، والأخذ بالعفو، والأمر بالعرف، والإعراض عن الجاهلين، والسير في الأرض، والمرور عن الآيات في السموات والأرض، والوقوف بدون إعراض أمامها، وأخذ العبر والفكر… ولكن ليس الأخذ بالنماذج السابقة للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية… فهذه مسائل من شؤون دنيانا وعصرنا، ونحن أعلم بها، وذلك عملاً بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام عندمـا شاص التمر،بعد أن تم تنفيذ توجيهاته بعدم تلقيح النخل: (فذلك من شؤون دنياكم أنتم أعلم بأمور دنياكم) وهو ما يدعونا إلى التغيير الديناميكي نحو عمل المؤسسات والمنظمات والشركات، التي لها تأثير في حياة الناس الاجتماعية، ولها تأثير كبير في العلوم الإنسانية والطبيعية، وفي التقنية والتجديد والتطوير، فكم من شخص استفاد من عمله في شركة أو مؤسسة، ثم أسس شركة امتداداً لما عمله! فالمؤسسات والشركات، مع أن هدفها توفير الخدمات والمنتجات، إلا أنها تمثل جزءاً كبيراً من الخبرة الإنسانية وقصة حياتها.

 

  1. هناك دعوات كثيرة لضرورة أسلمة بعض الفروع، كإنشاء بنوك إسلامية، وإنشاء سوق إسلامية، ومؤشر قياس الأسهم الإسلامية، وإدارة إسلامية، وإعلام إسلامي… كثيرً من هذه الدعوات ردة فعل أكثر منها مبادرة.. وكثيرً منها ليس إلا لأهداف تسويقية دون الالتفات إلى الجوهر والمضمون، فهي لا تخلو من الأهداف الوقتية والمادية أو من كونها موضة وصرعة… وهدف الممولين والمساهمين والإدارة من استعمال كلمة إسلامي هو كسب العميل المسلم البسيط، الذي يريد أن يبتعد عن الشبهات والحرام… وأول خطأ مخلوط بالظلم هو محاولة هذه المؤسسات فرض نماذجها وشروطها التي لا يكون بمقدور العميل المسلم البسيط أن يناقشها بحرية وبسلطان إرادة… بعضهم يتجاوز عن ذلك تحت نشوة الفرح بتطبيق ما هو إسلامي ولحرصه على عدم نقد المحاولة لتشجيع غيرها، لكونها تعبر عن مقاصد الشريعة وأنها وسيلة تدريجية لتطبيق الإسلام على المعاملات. للأسف إنه مرض قصر النظر والعجز عن تقديم آليات وأدوات عصرية بعيدة عما كان موجودا في الماضي، أو اللجوء إلى الصورية والتحكم بأسعار الشراء والبيع بحجة "المرابحة" والبعد عن المضاربة، والعجز عـن

الابتكار والتجديد والتطوير، والخوف مما يسمى بقوى السوق، والعجز عـن

تقديم بدائل لمعامل خصم التدفقات النقدية، وعدم الغوص إلى أعماق القيمة الزمنية للنقود، والوقوف على أسبابها، والأساس الذي تقوم عليه، وهذا الوحش الذي يسمى بالتضخم والقيمة الشرائية. بمثل هذه الأفكار جاءت معظم فصول الكتاب  الأولى، وهي أفكارً وظفت بطريقة جديدة ومحدثة واجتهادية وبأساليب ومناهج مختلفة، فلم نلتزم بمنهج معين، بل كان لكل حالة منهج وأسلوب يراعي تلك الحالة ويراعي التجديد والإبداع والاختيار بين الأساليب والتطبيق الخاص بالأسلوب أو المنهج، مما يجعلها قابلة للنقد والتأويل والرد، وأفكار ورؤى مستلهمة من القرآن أو مطورة من أفكار الآخرين… ونحن نعرف أن كل طريق أو أسلوب جديد ومحدث محل مقاومة؛ لأن هذا الجديد يحمل في ثناياه مستلزمات تغيير ما هو كائن لما يجب أن يكون، وأن هذه المقاومة تكون شديدة من قبل فئات عمرية تقدم بها الزمن وفقدت قدرتها على العطاء أو الإبداع أو الابتكار، أو أصبحت جزءاً من الأنظمة والأعراف والتقاليد والمراكز التي تعيش فيها، ومن خلالها. وبالتالي فإن هذا الجديد خطر يهدد مصالحها ومراكزها… فلا بد من مقاومته والتصدي له ومهاجمته سلبياً، أو على الأقل الإعراض عنه… وهذا ما لا نبغي.

 

ليس هناك ثابت ومطلق وأحد وصمد، وله الطاعة المطلقة والتصرف والسلطة المطلقة في المحاسبة والمسألة إلا الله عز وجل، وهو سبحانه ( ليس كمثله شئ) [سورة الشورى رقم 42 الآية:11]، (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم)  [سورةالحديد رقم 57 الآية: 3]، وما دون ذلك فهم مخلوقات له وعبيد، تسير وفق نظم معينة ودقيقة تتأثر وتؤثر بموجب علاقات معينة، وكل شئ متغير وفان، وكل سلعة قابلة للتجديد والتعديل والإحلال والبدائل، وكل نظرية أو قانون قابل للتغيير والتعديل والخضوع مرة أخرى للدقة والصحة العلمية، وهو ما يعني لا دقة ولا إتقان ولا جودة كاملة ودائمة لأي عمل إنساني… القرآن المعجز للإنس والجن هو الشيء الوحيد الذي يتمتع بالجودة الثابتة والدائمة بالحفظ من التغيير، وبالدفاع عن النفس، وبتبليغ وتسويق نفسه بنفسه… وهو الكفيل بالفوز والنجاح والهداية إلى التي هي أقوم، والى الشفاء والعلم وصيانة المجتمعات، وهو يمثل النظم المقروءة التي تساوي بشكل آخر النظم المنظورة وغير المنظورة، وما عدا ذلك فليس هناك نظرية تعد أحسن من نظرية، وطريقة إدارة أفضل من طريقة إدارة، وشكل مؤسسة أو شركة أحسن من شكل آخر، وقانون دنيوي أحسن من قانون آخر، وفلسفة أحسن من أخرى، أو جنس أحسن أو أرقى منه إلا بالتقوى، ليس هناك خطأ أو صواب، وليس هناك ضمانات لأي نظريات وقوانين ومنهاج للنجاح في العمل والابتكار والتجديد… النجاح يأتي من تقدير القدرات، ومن معرفة نقاط القوة ونقاط الضعف، ومن تحويل الخطأ إلى طريقة لاكتساب الخبرة، وتحديد المعطيات الخارجية ونطاقها، ومعاملة كل حالة بخصوصيتها… وأن تعقل وتتوكل..

نحن نعرف أن فئة الشباب والعقلية المتفتحة هي الفئة الأكثر تكيفاً مع التغيير، والفئة الأكثر جرأة، والفئة الأكثر مبادرة وإقداما،ً وهي الفئة القادرة على الريادة والرياسة والأخذ بزمام الأمور، وتحمل شيء من المخاطر، والفئة القادرة على المهاجمة الإيجابية والنقد الإيجابي ،القادرة على إضافة قيمة مضافة إلى هذا العمل أو غيره أو تخصيبه برؤى وأفكار جديدة، أو تنفيذه واختباره وتصحيحه في أثناء التنفيذ، أو بلورة نماذج ونظم وآليات فرعية منسجمة مع النظم الكلية، الأنموذج الكلي، لتقول هذه الفئة للعولمة أهلاً وللتغيير أهلاً وللكفاءة أهلاً وللتقدم أهلاً وللجودة أهلا دون امتهان للماضي، ودون أن نهجر هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بيـن يديه ولا من خلفه، الذي بين أيدينا، والذي أعزنا الله به، وجعل ذكرنا وسمعتنا فيه، وبالتالي يجب أن تكون مهمتنا وأهدافنا مؤسسة على القرآن، فلتكن مهمتنا هي:

"تقويم أنفسنا بالقرآن، وتقييمها بالعمل الصالح، وإنذار من بلغ بالقرآن دون إكراه، وأن عطاء الربوبية للجميع وعطاء الألوهية للمسلمين، وأننا الأمة الوسط والشهداء على الناس، والأمناء على ما سخر الله للإنسان، وأن العقل والوحي يتوافقان ولا يتقاطعان أو يختلفان، وأن الناس مسلمون بالفطرة، وأن علينا أن نأخذ بالعفو ونأمر بالعرف، وأننا أمة تحارب الفساد والتلوث لكل نظام من النظم، ولكل مركز من المراكز " .

 

وأن أهدافنا هي أن :

"القرن الحادي والعشرين هو قرننا، وأن لا سبيل لأحد علينا، وأن الثقافة الإبراهيمية هي القادرة على ضمان الحد الأدنى من التفاهم بين الشعوب والنهي عن الفساد، وأن التكنولوجيا لا تنقل بل تفهم، وأن علينا أن نقفز بخطوات واثقة نحو الابتكار والإبداع والتطوير، والتجديد الاقتصادي والتجاري هو مقدمة العولمة من خلال الثقافة الإبراهيمية، والمضاربة بالإدارة هي وسيلة التطوير الداخلية".

 

إذا عرفنا مهمتنا وأهدافنا، فإن الوسيلة أو الاستراتيجية التي يمكن صياغتها، لتمكننا من الوصول إلى ما رسمناه، تأتي من خلال الحوار والنقاش والمشاركة في هذه الأفكار المطروحة في هذا الكتاب، التي ما هي إلا مقدمات ومفاتيح لهذا الحوار والنقاش، فلكل إنسان الحق في مناقشتها ومحاورتها، ونحن ندعوه دعوة عباد الرحمن أن لا يخرعليها دون تفكيــر

وبصيرة وإدراك بعقله وقلبه وفؤاده امتثالاً لقوله تعالى:

                (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعميانا) [سورة الفرقان رقم 25 الآية:73].

 

لا نريد أن نخوض في الأسباب التي دفعتنا لتأليف هذا الكتاب، فتلك الأسباب تم إدراجها في الفصل الأول في الجزء الأول من الكتاب، عبر مواقف وتصريحات لأشخاص نجلهم ونقدرهم، ونريد أن نبين أهداف الكتاب، والغرض الرئيس منه، والأهداف والغايات المتوخاة منه، التي قد تم أيضاً إدراجها بعد هذه المقدمة.

 

أما عن فهرست الكتاب، فالكتاب مقسم إلى جزءين، وكل جزء مقسم إلى فصول، كل فصل له نهج بحث خاص به، حيث جاءت الفصول الأولى نظرية تبحث في العولمة والمفاهيم والنماذج، سواء كانت أمريكية أو أوروبية أو يابانية أو صينية، وحاولنا في الفصول الأولى بلورة أنموذج خامس للعولمة مؤسس على فهمنا وقراءتنا للقرآن، إن الفكرة الرئيسة للكتاب الذي يدور حولها هي العولمة التجارية والإدارية والقانونية، فجميعهن متلازمات بعضهن مع بعض، فلا تجارة بلا إدارة ولا إدارة بلا تجارة، ولا تجارة ولا إدارة بدون نظم قانونية. وفي القرن العشرين تطورت التجارة والإدارة معا فكانت النظريات التقليدية بالإدارة قد نشأت في المصانع، وكان روادها مديري شركات ومصانع وهي بالتأكيد لا تصلح للقرن الحادي والعشرين، فتم إعادة بعض هذه النظريات إلى بعض النماذج القرآنية، ومع ذلك فالكتاب يناقش أفكاراً وموضوعات أخرى، ولأن العولمة نفسها ليست بعلم قائم بذاته، بل لا تزال في طور التبلور، وإن كانت هناك كتابات كثيرة قد صدرت بشأنها ومقالات وأبحاث، إلا أن معظم هذه الكتب والمقالات والأبحاث، إما أن تبحث في العولمة المالية وآثارها في الشعوب والــدول،

وإما أن تبحث في مسألة الثقافة وعولمة الثقافة الأمريكية بالذات والغربية بشكل عام، أو تبحث في السياسة وعولمة السياسة والنظام العالمي الجديــد

وإدارة العالم من قبل نظام أحادي القطب، وإما أن تبحث في الحضارة، وإما أن تكون من باب الموضة والصرعة التي ما إن تشتعل حتى يقلدها من يقلدها وينفخ فيها من يريد أن يضخمها… ويلهث وراءها المستفيدون منها، ويعزفون لها حتى تصبح حديث الساعة.

 

ومع ذلك، فإننا لم نغفل عن مناقشة الأقلمة والعولمة كاتجاهين متضادين، وذلك في أماكن متفرقة. هذا إضافة إلى التعرض، حيث اقتضى النص، والإشارة إلى بعض الفرضيات التي نقدها من قبل كثير من المفكرين كفرضية (فوكوياما) القائمة على افتراض أن الديمقراطية الغربية يمكن أن تكون النقطة أو الحد النهائي لتطور الإيديولوجيا البشرية والشكل النهائي لحكم البشرية، وبالتالي فهي في حالتها الراهنة تعد نهاية التاريخ، وكذلك الأمر بالنسبة لفرضية (صمويل همنجتون) بشأن صدام الحضارات على أساس الصدع الثقافي، الذي يمتد بالصراع الثقافي إلى فئات أخرى كالدين والعرق وأبناء العمومة الواحدة. وفي مجال ردنا عليه بأن الصراع صراع بين الحق والباطل، وأن الثقافة الإبراهيمية قادرة على ضمان الحد الأدنى من الاختلافات والانقسامات بين الشعوب… هذا إضافة إلى تعرضنا إلى أفكار أخرى كثيرة… ولكن مع حفاظنا على الفكرة الرئيسة للكتاب، وهي العولمة التجارية والإدارية والقانونية وآلياتها والرؤية الجديدة لها.

 

ولأن العولمة تمتطي علما من علوم الإدارة وهي إدارة التسويق، وبخاصة فرعها المتعلق بإدارة التسويق العالمي، فكان لا بد من التعرض لإدارة التسويق العالمي، الذي شكل الفكرة الرئيسة الثانية للكتاب، ولكونـه

الباعث والدافع والمهيج للعولمة، فالبحث عن العملاء والأسواق هو الهدف الرئيس للعولمة… ولأن العولمة تمتطي إلى جانب التسويق العالمي مطيـة

أخرى وهي  التجارة الدولية، فكان لا بد من تناول التجارة الدولية، التي تحكمها قواعد قانونية، وهو ما يعني تناول مسائل قانونية وعالمية وبحثها، وهي ليست ببعيدة عن الكاتب؛ فعمله مستشارا قانونيا لشركات محلية وعالمية لسنوات طويلة، ساعده في ذلك، وأضفى لمسة عملية حقيقية على كثير من المسائل.

 

ولأن العولمة ليست بعلم، وما زالت تتطور، فهي في مراحلها الأولى للنمو عن طريق التخصيب مع العلوم الأخرى، وأخذ فتات وأجزاء كثيرة من علوم أخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس والإدارة والاقتصاد، فكان لا بد من الخوض في هذه العلوم بالقدر الذي يلزم للعولمة وللكتاب، دون الخوض في تفاصيل هذه العلوم وجزئياتها. والجديد في هذا الكتاب محاولة تجذير  الرؤية الإسلامية  للعولمة وتأصيلها، ومحاولة الخروج بأنموذج إسلامي مبني على النصوص القرآنية ومستلهم منها؛ لوضع حدود وقيود للعولمة، التي سبقت كلمة الله فيها، حيث لا تعديل عليها، فالناس ليسوا أمة واحدة، إنهم مختلفون… الناس كانوا أمة واحدة عولمة كاملة، ثماختلفوا، فكان الاختلاف والتنوع هو الأصل والاستثناء هو الوحدة… وهذا ما يعطينا الأمن بأنه لا عولمة ولا أمركة ولا تبعية، وإن كان هناك موجات فهي تبقـى موجات… ومن يركب هذه الموجات فلن يحلم بالأمان ولا بالسلامة ولا بالنوم، فركوب الموج صعب حتى بمزلاج، فقد يتمكن من السير قليلاً وبعدها يتأرجح فيسقط في الماء… وللتدليل على هذا الأصل، وهو الاختلاف والتمايز والتنوع، فلقد أفردنا فصلاً كاملاً، وهو من أكبر الفصول في الجزء الأول من الكتاب تحت عنوان: صعوبات العولمة ومشكلاتها ومخاطرها، سواء كانت مرافقة ومصاحبة للعولمة نفسها كمخاطر رأس المال والمصاريف والجهالة بالأسواق والأبحاث الخاصة بالسوق، أو مشكلات أخرى كاللغة والثقافة والاتصال والجات التي أنشئت من أجل العولمة وأصبحت عائقا من عوائق العولمة.

 

لقد احتوى الكتاب على دراسة من زاوية معينة للجات، وتأثيرها في قوانين الدول، سواء من حيث الصناعة أو الخدمات أو تأثيرها في الإبداع. لقد حاولنا أيضاً في هذا الكتاب ليس التعرض للمشكلات التي لا تتفق مع مقاصد الشريعة فقط، بل طرح  بدائل تتفق مع مقاصد بيئتنا وثقافتنا… وهذه  البدائل ما هي إلا اجتهادات قابلة للنقاش والحوار، وهي أمور ليست إلا للتفكر والتدبر، فهي ليست بتأويل أو تفسير لآيات القرآن الكريم بقدر ما هي نظرات وفهم معين على ضوء خصوصية كل موضوع، وبالتالي فإن ما ورد في الكتاب بخصوص المعاني المستخلصة من الآيات ليست بتفسير لكتاب الله، ولسنا بدرجة المفسرين، مما يجعل الكتاب مؤسسا على رؤية خاصة مبنية على مفاهيم قرآنية… وهو ما يجعل للكتاب نكهة دينية خاصة، وبخاصة أن موضوع العولمة موضوع جديد من الناحية البحثية والعلمية، وأنه يجب أن يعامل على كونه حلقة في سلسلة النظم التي تتفاعل في العالم السفلي؛ لتخرج بنظام لا يستوي ولا يستقيم مع سلسلة النظم النازلة، وبالتالي لا بد لأنموذج ونظام علوي أن يظهر على ما عداه من نظم ناتجة عن هذا التفاعل.

 

لقد تضمنت فصول الكتاب معلومات ذات قيمة علمية خاصة بالنسبة للمتخصصين وأصحاب القرار والمستثمرين والتجار ورجال الأعمال والاقتصاديين والمديرين والإداريين والموظفين والطلاب والشباب بشـكل عام، وهم الفئة المستهدفة من هذا الكتاب، وهي موضوعات مهمة ومفيدة لكل قارئ  في حياته، وبعضها موضوعات جديدة كمفهوم المضاربة بالإدارة، ومفهوم الوكالة الإدارية ومسؤولية المديرين…ومسألة التفكير النظمي "النظرة لكل شيء على أساس أنه نظام من ضمن نظم كلية". والأوفست أو المبادلة، والتمويل الإسلامي وغير ذلك الكثير.

 

 

وحتى يتمكن المضارب من الناحية القانونية بعد أن ألم بالناحية التجارية والأسواق وبالناحية الإدارية، كان لا بد من التركيز عليه لتعريف رجال الأعمال والمستثمرين والتجار، وأي إنسان يرغب في أن يؤسس عملاً بأحسن الأشكال التي يمكن أن يضع عمله ورأسماله فيها، فكان البحث في الشركات وأنواعها المختلفة كشركات التضامن والتوصية البسيطة وذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة وشركة التوصية بالأسهم والشركة القابضة والشركة المفترضة وأنواع أخرى، وحسنات كل نوع وعيوبه ومدى صلاحيته للعولمة والاستثمار دون الالتزام بالأشكال المعروفة بالقوانين المحلية لدول الخليج جميعها فقط، بل تطرق البحث إلى أشكال وأنواع شركات غير منظمة بالقوانين المحلية، وذلك ليكون مضاربنا ومجددنا ورجل الأعمال والمستثمر على علم بها.

 

احتوى الجزء الثاني من الكتاب -الذي ينشر بإذن الله، بعد الجزء الأول- على فصول تعنى بكيفية الاتجاه نحو العولمة والأسواق، وما يتبع ذلك، من تأسيس لعمليات إدارة ذات أبعاد إسلامية، ومن تعلم تطوير وتدريب قبل مباشرة معاينة الأسواق ومسحها، ومن ثم اتخاذ القرار بدخول الأسواق العالمية، فكان لا بد من بحث أساليب العولمة وآلياتها ونظمها، حيث تم بحثها بإسهاب كالأسلوب المستقل والأسلوب الموحد والأسلوب الحر أو الاستثمار المعلوماتي اللاحدودين والذي لم يتطرق له أحد قبل الكاتب،  وآليات هذه الأساليب مسائل مهمة ومعرفتها ضرورية لكل من له صلة بالتجارة والإدارة والصناعة والعمل، فمن الوساطة والسمسرة إلى الوكالات التجارية بأنواعها وصورها كافة، من وكالة تجارية ووكالة عمولة والوكالات الوطنية أو الخدماتية أو الوكـالـة الإدارية أو ما يسمى بمشكلة الوكالة وعقود التوزيع وعقود الترخيص (والفرانشايز) وعقود الإدارة والتجارة الإلكترونية وهي من المسائل التي لابد لرجل الأعمال أن يعرف شيئا عنها… حيث تم عرضها بأسلوب مبسط يمكن القارئ العادي، ولأي إنسان من فهمها، على الرغم من أنها موضوعات قانونية شائكة ومعقدة.

 

ولأننا نعيش في الخليج العربي، كان لابد من إضفاء لمسة محلية على البعد المكاني والإقليمي؛ لتكون الدراسة والبحث مرتكزين على قوانيـن معمول بها، فكانت دراستنا لأنواع هذه الشركات على أساس قوانين تلك الدول، وكذا الأمر بالنسبة للوكالات، مما يضفي لمسه تحليل وتقدير للبيئة الداخلية، فمن يعمل في الخليج العربي أو يملك عملا مستقلا، أو يكون شريكا، أو مديرا، أو موظفا، وتهمه مسألة معينة بشؤون عمله، فإنه بمقدوره أن يجدها في هذا الكتاب، وإن أراد معرفة مسألة عامة وعالمية فقد يجد ضالته، والمعلومة التي ينشدها فيه والتي سوف يستفيد منها بإذن الله في أي قرار يتخذه، سواء على الصعيد الشخصي أو على صعيد العمل الذي يقوم به، أو حتى إذا رغب بالعولمة، فهناك الآليات الخاصة بهذه العولمة كفتح فرع للشركة أو مكتب مبيعات أو تأسيس مشروع مشترك أو إدارة عمل أو منشأة معينة أو مشروع معين، سواء كان ذلك بشكل عـام لأي دولة أو بشكل خاص فيما بين الدول الخليجية.

 

في الفصول الأخيرة، حاولنا أن لا نترك مضاربنا أو مضاربتنا وقارئنا دون استراتيجية تمكنه من الوصول إلى هدفه، الذي هو هدفنا، وهدف الأمة أن يكون القرن الحادي والعشرون قرننا… فكان لابد مع الزمن المتسارع والتغير المستمر والتطور التكنولوجي والمنافسة الشديدة أن تكون

الاستراتيجية استراتيجية القفز بخطوات واثقة تحت شعار: لا نملك شيئا لنخسره ولدينا كل الأسباب لننجح، فكان لا بد من بحث مسائل مهمة كالابتكار والتجديد والتكنولوجيا والمنافسة واستحداث أساليب وطرق عمل جديدة، وأن نشارك بصنع الأحداث وفق رؤيتنا، وأن تكون لدينا خطة استراتيجية وخطة عمل وخطة للانعتاق من التبعية، ولقتل وحش التخلف والجهل ولمهاجمة أشد المنافسين في أسواقهم وفي عقر دارهم، فصراعنا ليس صراع ثقافات، بل هو صراع بين الحق والباطل، ولدينا مهمة تتضمـن الإطار العام لعملنا وأهدافنا، ولدينا أهداف محددة وواضحة يجب أن تتحقق… المسألة ليست حلما… بل حياة أو موتا، فهل نجدد ونبتكر ونضارب ونعولم أم نموت؟!

 

لا ندعي بأن هذا الكتاب يتمتع بالشمولية، وبكل ما يلزم لأحلام كل إنسان عربي ومسلم ورؤيته، وكل ما يلزم للمؤسسات ولرجال الأعمال الذين يرغبون بمواجهة القرن الحادي والعشرين بالمعرفة والعلم، بل كل ما يمكـن أن نقوله: إن هذا الكتاب حصيلة عمل وخبرة مدة خمس عشرة سنه لكاتبه سواء في مجال القانون أو الأعمال التجارية أو الإدارية على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي… وهو بالتأكيد ليس بمشورة قانونية ولا إدارية واقتصادية ولا فتوى دينيه، والكاتب ينبه إلى مسألة هامة وهي خصوصية الحالة أو الموضوع،  واختلافها وتمايزها عن الحالة الأخرى أو المعروضة، فكل مسألة وكل موقف وكل عمل له سمته الخاصة به التي تميزه عن غيره، وبالتالي لا يمكن أخذ نموذج معين أو حل مسألة معينة وتطبيق ذلك على مسألة أو حالة أخرى، وإن كانت مشابهة لها، فهذه المسألة بالذات كانت الدافع والباعث على  كتابة هذا الكتاب حيث بدأت فكرة الكتاب بمقالـة نشرت في جريدة البيان تحت عنوان "حرب النماذج"، والمقالة مدونه: في الفصل الأول من الجزء الأول الكتاب… ومع ذلك فهذا لا يعني عدم الاستفادة من الخبرة السابقة في حالة معينة لحالة أخرى جديدة، وهذه الفكـرة لا تختلف كثيراً عن العولمة بمفهومها البسيط، وهي تطبيق أنموذج معين على سائر العالم، فما يصلح لهذه الأمة لا يصلح لتلك، فلكل أمة خصوصيتها، وخالق ومدبر هذا الكون أعلم بمن فيه، وبما يصلح لهم، فجعل الاختلاف والتمايز والتنوع في أمور معينة، وجعل الإسلام الدين الصالح لكل الناس، والملة والثقافة الإبراهيمية كجزء ومحور رئيسي في القرآن، وهي القاسم المشترك بين أغلب الأمم والشعوب والمراعية للحد الأدنى من الاختلاف، والعوامل الشخصية ليس بين الشعوب والأمم فقط، بل حتى بين الأفراد، والقرآن لم ينزل للناس فقط بل أيضاً للجن، وتحدى به البشر والجن، وجعل هذا التحدي ساري المفعول إلى يوم القيامة، وهذا هو الإبداع والإتقان والجودة الربانية الدائمة والخالدة والمعجزة للبشر والجن.

 

لا ندعي بأننا أحطنا بكل ما يهم العولمة، ولا ندعي أن كل ما أوردناه صحيح ومتفق عليه، بل هي محاولة لقراءة العولمة، فإن كان هناك أي تعليق أو ملاحظة أو مداخلة على هذا الموضوع أو أي موضوع فرعي في الكتاب، فإننا نهيب بالقارئ الكريم أن يرسله لنا لنبدأ حواراً معه حوله… فإذا كنا مخطئين تداركنا خطأنا في الطبعات القادمة، وإذا كانت هناك إضافة معينة فلصاحبها مني الشكر ومن الله الثواب، ولا بد أن نقول له من أمرنا يسراً… وذلك سواء في الطبعات القادمة أو في الأجزاء القادمة لسلسلة العولمة التي نذرنا أنفسنا للبحث فيها، والتي لا يتسع هذا الكتاب بجزئيه لجميع أنواعها، فكان مقصوراً على العولمة التجارية والإدارية والقانونية ونماذجها ومشكلاتها وصعوباتها ومخاطرها وأساليبها وآلياتها. ونظرا لضخامة وحجم الكتاب، فلقد تم تقسيم كتاب العولمة التجارية والإدارية والقانونية إلى جزءين، وإن كان هناك بقية من العمر فبهداية من الله ومعونته. وبعد أن نعقل ونتوكل فسيكون هناك كتبً أخرى حول العولمة الثقافية والعولمة المالية والعولمة الاقتصادية والعولمة السياسية والدينية... الخ، ومع ذلك، فإننا سوف لن نترك القارئ قبل أن نبين أهداف الكتاب والغرض الرئيسي منه.

 

أهداف الكتاب والغرض الرئيس منه :

أ- الأهداف :

إلى جانب الغرض الرئيس للكتاب، الذي سنشير إليه فيما بعد، فإن هناك أهدافاً وغايات أخرى للكتاب كثيرة، من بين أهمها :

1-  محاولة لفهم العولمة التجارية والإدارية والقانونية وموضوعها الرئيس وهو التسويق التجاري العالمي وإدارة التسويق العالمي، والنتيجة التي تفضي إليها العولمة، وهي السيطرة على الأسواق وعلى الأذواق، وخلق مجموعات من الكائنات المستهلكة غير المنتجة، وتنميط باقي المجالات بالنمط الغربي العام الأمريكي الخاص.

2-  تبيان نماذج وأنماط العولمة التجارية والإدارية وأنماطها، وكيفية الاتجاه نحو الأسواق العالمية، وكيفية معاملة السوق المحلية، والعلاقة الإدارية ما بين الشركات التابعة والفروع والمكاتب المنتشـرة في الأسواق الأجنبية وما بين الشركة الأم أو المركز الرئيس، وبحثها كنظم من مجموعة من النظم الكلية ونموذج من هذه النماذج، والصراع ما بينها حول اقتسام الأسواق.

3-  فهم المؤسسة أو المنظمة "الشركة" التي تنتج المنتجات وتقدم الخدمات ويعمل بها الناس، والتي تمثل جزءاً كبيراً من القصة الإنـسانية، وما يرافقها من مداخيل للناس ومخرجات، سواء كانت علمية أو إدارية أو فنية أو غير ذلك.

4-  بحث عوائق العولمة ومشكلاتها وصعوبتها سواء أكانت مالية أم معلوماتية أم ثقافية أم قيود جمركية أم غير جمركية، وإيجاد بدائل لهذه المعوقات.

5-  إلقاء نظرة ثاقبة على معوقات العولمة ومشكلاتها، وبالذات على الجـات وخلفها منظمة التجارة العالمية بوصفها عائقا أكبر منها محرراً للتجارة العالمية وتأثيراتها في الدول النامية.

6-  بحث مسألة الاتجاه نحو الأسواق الأجنبية وفهمها وما يتطلبه ذلك من عمليات إدارية مؤسسة على رؤية ذات أبعاد إسلامية، ومن تعلم وتطوير وتدريب ومعلومات أولية ودراسة للسوق  المزمع اقتحامها.

7-  محاولة إيجاد خطة استراتيجية للخروج من التخلف الإداري والتجاري على الصعيد الشخصي أو المؤسسي، وذلك بطرح مفاهيم جديدة كالمضاربة بالإدارة والتجديد والعمل ضمن النظم، تمهيداً للوصول إلى التمكين في الأرض، وتشجيع الأعمال الصغيرة والديناميكية القادرة على التكيف مع العولمة، والتغيير المستمر، ونحن نستهدف بذلك فئة عمرية شبابية ما بين العشرين إلى الخمسين عاماً، فهذه الفئة هي القادرة على أن تكون جريئة وتبادر إلى مشاريع جديدة، وابتكارات وتجديدات للعمل التجاري والصناعي00 وهي القادرة على الخروج من الأقلمة إلى العولمة، وهذا لا يعني أن من هم فوق الخمسين غير مستهدفين، فلا زلنا بحاجة إلى حكمتهم ونظرتهم المتأنية الحذرة التي تكشف ما يمكن أن يغفل عنه من هم دون الخمسين.

8-  تزويد هذه الفئة بالمعرفة والعلم والخبرة السابقة، ثم بحث أشكال العمـل التجاري، من حيث المزايا والعيوب لكل شكل، وبحث أساليب العولمة؛ كالأسلوب المستقل، والأسلوب الموحد، والأسلوب الحر أو الاستثمار المعلوماتي اللاحدودي وبحث آليات كل أسلوب، سواء كانت وكالات أو وساطة، أو عقود ترخيص، أو فرانشايز، أو إدارة، أو تجارة إلكترونية وذلك لتكون هذه الفئة على علم بها، وبحث أنـواع الشركات المنصوص عليها بالقوانين الخليجية، وتبيان حسنات كل نوع وعيوبه، والعمل التجاري الذي يناسبه، ومدى صلاحية النوع أو الشكل للعولمة. وحتى لا تكون معلومات هذه الفئة ناقصة، فلقد تم بحث أشكال وآليات أخرى للعولمة، اللازمة للتواجد في الأسواق، وذلك كشركات الفرع، والشركات التابعة، ومكاتب البيع، ومكاتب التمثيل00 وأنواع جديدة من الشركات، كالشركات القابضة، وشركات الإدارة، والشركة المفترضة، وشركة الرجل الواحد، وكل ذلك بأسلوب سهل ومشوق للقارئ، مقارنين في ذلك بين قوانين الدول الخليجية، وبعض القوانين الأخرى المتعلقة بالعولمة حيثما اقتضى الأمر؛ لتعميم الفائدة، وتوسيع قاعدة المنتفعين؛ لتشمل السعودي، والإماراتي، والقطري، والكويتي، والعماني، والبحريني، وأي إنسان يعمل في هذه الدول أو غيرها، فالمفاهيم واحدة على الرغم من الاختلاف.

9-  تطوير نظريات ومفاهيم جديدة للإدارة، ومناقشة المفاهيم الجديدة، وطرح البديل الذي يتوافق مع طبيعتنا وثقافتنا وشريعتنا، إلى جانب النظريات الإدارية، فلقد حاولنا أن نناقش الحقوق المعنوية بشكل عام وما يتفرع عنها من الملكية الفكرية والتدفق المعلوماتي من خلال شبكة المعلومات الدولية "الانترنيت" وحقوق المؤلف وتبيان أنواع التجارة الإلكترونية، ومحاولة وضع إطار قانوني لها على الصعيد المحلي، ولم نغفل عن الملكية التجارية وما يتعلق بالعلامات التجارية وعقود الترخيص باستعمالها، وكذا الأمر بالنسبة للملكية الصناعية سواء كانت متعلقة ببراءة اختراع أو بدراسة عملية وعقود الترخيص الخاصة باستغلالها، وعقود الإدارة، مع الإشارة إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية والجماعية بشأنها، ولم نغفل عن مناقشة بعض مقالات معاصرة متعلقة بالعولمة، وببعض خصوصيات العولمة، كأفكار صموئيل هيمنجتون بشأن صراع الحضارات، وفوكوياما بشأن نهاية التاريخ، وويلسون بشأن وحدة المعرفة، وبعض الصرعات والموضات التي أصبحت تجتاح العلوم والإدارة، ومنها صرعات توم بيترز وغير ذلك الكثير. لقد حاولنا أيضا تشجيع الابتكار والتجديد لمواجهة التغيير المستمر، فكان أن خصبنا فكرة المضارب وهجناها لتتناسب مع العولمة والضرب في الأرض، وليكون مضارباً مجدداً قادراً على تحقيق المهمة والأهداف التي رسمت في المقدمة00 مع عدم غفلتنا عن ربط أي مجال بالقرآن العظيم.

10- مواصلة بحث وتطوير نظرية النظم بمفهومها الشامل، سواء أكان للنظم المقروءة أم للنظم المنظورة، ومحاولة تفسير معظم مجالات الحياة والكون، والعمل بنظرية النظم، ومحاولة توضيح أسباب الإخفاق ونظمه  وعلى رأسها الخوف والغفلة، وتبيان نظم النجاح واليقظة، وما يتداخل مع ذلك من نظريات؛ تمهيدا للمحافظة على النظم، التي تؤدي إلى النجاح، والتمكين في الأرض.

 

ب- الغرض الرئيس :

أما الغرض الرئيس للكتاب، فيدور حول إبراز النموذج الرباني للعولمة، منطلقين من أن الإنسان خليفة الله في الأرض، ولهذا فسنركز في هذا الكتاب على الإنسان؛ لكونه هو المركز والهدف النهائي، وهو الذي سخر الله من أجله جميع النظم المقروءة والنظم المنظورة سواء في السموات أو في الأرض، وكرمه على من خلق  حتى الملائكة، فكل شيء يجب أن يكون لخدمة الإنسان، سواء كانت النواحي المادية والتطبيقية، أو النواحي المعنوية والروحانية والأخلاقية والإنسانية، أو العولمة التجارية أو العولمة بنماذجها المختلفة، لهذا فإنه يجب ألا تكون الثقافة بمعناها الواسع هي السبب في صدام الحضارات كما يروجون لذلك؛ لأن الصدام والاقـتتال والنزاع هو القائم بين الحق والباطل، فهناك سمات مشتركة بين كل الناس، فهم مشتركون في الأصل الطيني "التراب"، وبالنفخة الربانية، وبالفطرة الدينية، وبالإقرار بالربوبية في عالم الذر، وبنظم الأسماء والأشكال التي علمت لآدم (عليه السلام)، وبنظم المعاني والمفاهيم التي علمت لنوح (عليه السلام)، وإبراهيم الذي جمع بينهما، والتي توارثوها عن طريق الجينات، أو التواتر، ومحمد (عليه الصلاة والسلام) الذي أعاد جمع هذه النظم بعد أن ضل أصحابها الطريق. وإذا ما أردنا التوسع في الوحدة المشتركة للمعرفة والثقافة، فإننا نستطيع أن نمد وحدة المعرفة إلى مخلوقات أخرى، وهي أمم مثلنا، سواء أكانت في الكون والطبيعة بمعناهما الواسع، أم في الحيوان أو النبات؛ حيث التسبيح الذي لا نفقهه، والسجود؛ أي الطاعة للخالق الذي يأبى كثير من الناس أن يسجدوا له، فهذا المد لنظرية وحدة المعرفة إلى الكائنات الأخرى، أو لنقل إلى تلك المجتمعات من الحشرات والنمل والنحل، وحقيقة الاتصال فيما بينها، والتي وهب الله سليمان (عليه السلام) فهم مقولة تلك النملة00 فإذا كان ذلك مع مخلوقات أخرى، فكيف إذا ما عرفنا أن جميع الشعوب والأمم تشترك بتحريم وكراهية السفاح بين الأقارب والنفور منه، وتجل فضيلة الإيثار ومسألة البحث عن الذات، أو احتلال موقف أو مركـز ما؟ إذا كان علم الأعصاب قد أثبت وجود جينة معينة مسؤولة عن نشوة التدين أو الانجذاب نحو التدين (ويلسون وحدة المعرفة – مجلة نيوزويك يوليو 1998) وهو ما يوافق قوله تعالى في سورة الروم : (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)[سورة الروم رقم 30 الآية: 30] ومع ذلك، فإن هناك خصوصيـة لكل مخلوق، إضافة إلى تأثيرات البيئة والتعليم والعمل، وخبرة الحياة تجعل ليس الشعوب والأمم فقط تختلف، بل الأفراد والأشخاص في كيان  كل أمة، وهو مـا يجعل مسألة وضع قانون معين لضبط سلوك البشر وحياتهم أمراً مستحيلاً، وهذا سبب إخفاق فرضية فوكوياما بنهاية التاريخ وموتها، والذي يفترض أن على الأمم أن تحذو حذو الديمقراطية الليبرالية الغربية، وسبب التخبط في الأفكار والفرضيات مصدره البعد عن المنهج الرباني، الذي يصلح لكل الأمم والمخلوقات، فالله يعلم ما يناسبها، وقد بين لنا القواسم المشتركة بين جميع الشعوب والأمم، ووضع قانون الاختلاف والمدافعة، كصيانة للأرض وضمان لعدم فسادها. فالعولمة إنما تعني الفساد ، ولأنها تجاوز لكلمة الله التي سبقت على جميع اتجاهات العولمة أو الأقلمة. فعالم ماك، على رأي بنجامين، يجب أن يهتدي بالنموذج الرباني أو على الأقل أن لا يتجاوز حدوده، فعندما يقبل الليل كل منا يضيء مصابيحه وفق حالته وظروفه، فهناك المصباح الكهربائي، وهناك المصباح البدائي، الذي يعمل بالزيت والفتيل والسراج00 وهناك لمبة الكاز، وعندما يبزغ الفجر كل منا يطفئ مصابيحه؛ لأن نور الشمس وضياءها أكبر وأقوى من كل مصابيحنا، وكذلك الأمر بالنسبة لأي منهج، أو نظرية، أو سياسة، أو سلوك، أو قانون، أو فكر، أو علم، أو ثقافة، أو معرفة، أو سلوك نحو العولمة00 أو نظرة لكل منا ينظر من خلالها إلى العالم المحيط به، ويفكر بالأمور والعلاقات مع غيره من منطق فهمه، ونظريته، وثقافته، وقانونه، ومعرفته، وعلمه، ومنهجه، وعولمته00 فإذا جاء منهاج الله وشريعته وصراطه المستقيم، فعلى جميع تلك الأفكار والنظريات والأساليب أن تتوقف تماماً، كما هي الحال مع المصابيح والأنوار التي تتوقف عند قدوم النور والضياء الذي خلقه الله، وقد أحسن بهذا التفسير الداعية والعلامة المرحوم الشيخ متولي الشعراوي عندما فسـر على النحو السالف آية النور: ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم) [ سورة النور رقم 24 الآية: 35].

 

من أجل هذا الغرض الرئيس والأهداف العشرة السابقة، جاء هذا الكتاب، ليناوش النماذج الخاصة بالعولمة وأساليبها، والصعوبات التي تعرقلها وتعيقها، وليبين كيفية العولمة التجارية وكيفية بقائها وتطويرها، ومن خلال تلك المناوشة قمنا بتطوير أنموذج آخر، وأضفنا بعدا آخر لعله يطفئ جميع النماذج السابقة، أو يحد من تطرفها، أو يجعلها تتوقف عند حدود الأنموذج الذي رسمه لنا الله00 ولكون الأنموذج من كتاب الله، وكتاب الله حق وصـدق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن جميع النماذج الأخرى ستخبو رويداً رويداً، وبمقدار تقدم الأنموذج الربانـي المبلور تتراجع تلك النماذج، فتلك النماذج ما كان لها أن تسود لولا أننا تركنا الأنموذج الرباني وهجرناه، ولكن الله وعد أن يظهره على جميع النماذج الأخرى.

 

 

 

                                         كـامـل أبـو صـقــر

مسـتـشـار قانـونـي وإداري

                                          وخبير عولمة تجارية

في دبي   1/1/2000

 

 

 

الفصل السابع

الاتجاه نحو العولمة والأسواق العالمية

 

المقدمة:

لقد رأينا في الفصول السابقة (في الجزء الأول من الكتاب)، كيف أن الشركة أو المضارب أو المستثمر، قد نجح في عمله، وتخطى مراحل تحضير وتكوين العمل التجاري، وأصبحت الشركة في مرحلة نمو وتطور، وتحقق أرباح وأصبحت أسواقها المحلية مشبعة، وأنها

 

 

 

الخاتمة:

        لقد طفنا وعلى مدار اثني عشر فصلا في بحر العولمة التجارية والإدارية والقانونية، محاولين رسم رؤية إسلامية جديدة، وبلورة أنموذج إسلامي رباني، مع وسيلة تطوير لهذا النموذج، وهي نظرية المضاربة بالإدارة، والتي أخذت ترتقي لتصبح المضاربة بالتجديد والمضاربة بالتكنولوجيا والمضاربة بالمعلومات.

        لقد كانت مشكلتي مع هذا الكتاب، قائمة على كيفية البدء، كيف لي أن أبدأه؟ وكيف لي أن أختمه؟ فكانت البداية بوضع أهداف الأمة، وأهداف المضارب، وكان الهدف الرئيس أن يكون "القرن الحادي والعشرين قرنا إسلاميا"، وما بين البداية والخاتمة، تكمن الوسائل والذرائع والاستراتيجيات والأساليب والآليات والنماذج والنظم وثورة المضارب واستراتيجيته ومحافظته على النظم من أجل التمكن في الأرض.       

        فكان لا بد من تقدير الذات لمعرفة، نقاط الضعف والقوة، وما بين البدء في الفصل الأول من الجزء الأول من الكتاب في عام 1996، وحتى عام 2000م وهي كتابة هذه الخاتمة والتي ليست بخاتمة للكتاب، فلا زالت سلسلة العولمة والاستثمار تستوعب هياكل كثيرة من هياكل العولمة، لقد حصل تغيير بين البداية والخاتمة، ولكنه تغيير سلبي، فنقاط الضعف تزداد، وعلى سبيل المثال، فإن الانفاق العربي على البحث والتطوير متدني جدا وتصل نسبته إلى 0.4 من نسبة مجموع العرب في سكان العالم، ونصيب الفرد من التعليم 340 دولارا سنويا، ونسبة الأمية 45%، وهي أعلى نسب  من متوسط البلدان النامية، وحتى بالنسبة لإعداد خريجي المرحلة العليا في العلوم التطبيقية والهندسة والطب والرياضات، فإن موقع العالم العربي، يأتي في نهاية القائمة بالنسبة لدول العالم المتخلف، ولا يترك أحدا خلفه سواء أفريقيا وجنوب الصحراء، وعلى ما يبدو، أن العرب لا يحتلون سواء موقع واحد متقدم وهو السعرات الحرارية، فالعرب متفوقون بقدرتهم على الأكل فقط، وإذا كان هناك مؤشر للجنس، فالبتأكيد أيضا سيحتلون المرتبة الأولى.

        لم تكن مثل هذه الأرقام، لتقلل من حماس الكاتب، وحماس أي مضارب من أن يبقى الهدف، كما هو أن القرن الحادي والعشرين هو "قرنا إسلاميا" وأن مجرد عدم المحاولة هي الكارثة.

        فنهر العولمة قادم لا محالة، وسوف يقتلع الكثير من جذورهم، فهذه العولمة كالنهر المندفع والثائر، والذي يغرق اندفاعه السهول ويقتلع الأشجار، ويدمر الأبنية، ويجتث جذور الأشجار والأرض، ليأخذها إلى مكان آخر، فيفر الناس الذين يعيشون على ضفافه، ويذعنوا ويستسلموا لثورته العارمة، دون أن يتمكن أحد من مقاومته، وكذلك العولمة والأمركة التي تأخذ أغلبية الناس في الوقت الحاضر، فهي كالنهر.

        نحن نعرف أن للنهر طبيعة وحالة أخرى، غير الهيجان والفوران، وهذه الطبيعة، هي حالة الهدوء والاستقرار والجريان الهادئ المفيد، فإذا ما استغل المضارب هذه الحالة، وقاموا بما قام به ذي القرنين من بناء السدود والأردمة، وعمل الاحتياجات اللازمة والحواجز والسدود والأرصفة، والتي من شأنها إن تمكن الناس من السيطرة على هدير وثورة النهر، فتتوجه مياه النهر إلى المناطق التي لا يوجد بها حواجز وسدود تكبح جماحه.

        وكذلك العولمة، إذا لم تجد مضاربا بالأرض مسلحا بالقرآن، والعلم وبالخطة والرؤية الاستراتيجية، فسوف تقتلع المنازل والإنسان، لترميه في أحضان قيم الاستهلال والتواكل، وستظل حالنا كحال الذي لا يعرف كيف يدبر نفسه، ويتواكل على غيره في إنقاذه من سقطته، وفي وسائل حمايته، فما معنى أن نستورد 40% من مجموع ما ينتج من السلاح في العالم؟ فاعتماد الجبان على الآخرين في وسائل دفاعه كارثة، لأن هذه الوسائل غير موثوقة وغير دائمة.

        لا بد أن تكون وسائل الدفاع والهجوم، معتمدة على نقاط القوة التي لدينا، وعلى قدراتنا لوحدنا، الأمر يحتم على كل مضارب أن يكون منتجا أكثر مما يستهلك، وأكثر ما يحتاج، لكي يحظى بحياة مستقلة وحرة، فالحرية لازمة للإبداع.

        إن الإبداع هو الطريق الذي سيوصل مضاربنا إلى هدفه، فلا مجال أمام المضارب إلا أن يبادر، وعليه أن يترك الهوامش والحواشي، وأن يتدبر النص القرآني، وأن يعترف بالآخر، وبالتعددية والتنوع، والاختلاف هو الأصل، لحكمة أرادها الخالق، ولا ننسى أن الملة والثقافة الإبراهيمية هي النموذج الوحيد القادر على جمع جميع الثقافات وصهرها، فهي القاسم المشترك بين جميع الشعوب والأمم، وهي القادرة على أن تكون المقياس والمعيار والحكم عند الاختلاف والصراع، وفي ظل العولمة، فإن الثقافة عائق ومشكلة، ولكن هذا العائق يختفي أمام الثقافة والملة الإبراهيمية، لأن هذه الملة والثقافة تحوي من النظم الأخلاقية والقانونية والسلوكية والدينية، ما يمكنها من التعامل مع أي بيئة وأيكولوجيا والناس-بغض النظر- عن اختلاف ثقافتهم وحضاراتهم، فإبراهيم-عليه السلام- الذي أرسى أسس ودعائم هذه الثقافة من خلال ما أعلمنا به الحق في القرآن الكريم، فما علينا إلا أن نستخلص هذه العناصر من القرآن، وأن نقوم بتعميمها وإبرازها.

        لقد أثبتت الوقائع، أن الجات في طريقها إلى الفشل، وهذا ليس غريبا، فلقد كان بحثنا للجات على أساس أنها عائق ومشكلة من مشاكل العولمة، والتي يجب التعامل معها بموضوعية وعلمية، وليس بالهتافات والصراخ والبكاء.

        لقد كانت المحاولة على مدار الجزئيين من الكتاب لرسم رؤية واستراتيجية، تمكن الإنسان العربي والمسلم من تحقيق أهدافه وأهداف الأمة، فالتحديات كثيرة والتحولات المتوقعة في الألفية الثالثة كثيرة، فالتغييرات الاجتماعية الناتجة عن النمو السكاني في غياب إخفاق الحكومات في عمليات التنمية أو حتى عدم المحاولة، فما تم وضعه كان على الورق، وإن كان قد نفذ شيء فقد كان تنفيذه بطيئا، وهذا هو السبب الذي يجعلنا في آخر القائمة بالنسبة للتخلف باستثناء الصحراء الأفريقية.

        إن معظم المشاكل الاجتماعية، ناتجة عن العامل الاقتصادي، وفي غياب القيادة العامة، القادر على التخطيط والعمل والتنفيذ، فإن على العربي والمسلم نفسه، فكل واحد عليه بنفسه، فما حك جلدك مثل ظفرك، ولا تزر وزارة وزر أخرى، وبالتالي، يجب أن ينهض كل إنسان، ويكون مضاربا، بضرب في الأرض، وينافس ويعولم، ويعمل ما لم تعمله الحكومات، ويحقق أهداف الأمة، وأهداف والمضارب المبدع والمضارب بالتكنولوجيا، والمضارب الأب الذي يرضع أولاده المضاربة منذ الصغر، والمضارب المعلوماتي والمضارب الذي سيحافظ على لغته ويقويها، فإذا بقي الحال على ما هو عليه فسوف تندثر اللغة العربية، وتنحصر في الصلاة وقراءة القرآن والذي يكفل لها صمودها.

        لا بد للمضارب من المضاربة، لكسر مثلث البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، تماما كما فعل موسى-عليه السلام- مع فرعون وهامان وقارون، لأن هذا المثلث ليس مجرد نزعة أو ميل نحو خلق السوق العالمية الواحدة، بل هو عملية متسقة ومنظمة لوضع وتطوير هيكل اقتصادي واجتماعي وسياسي جديد من أجل إذعان الناس وسلب حريتهم، وإعادة التاريخ ليصبح 20% من العالم أثرياء وأسياد و80% عبيد واقنان وفقراء، وإن مسألة فتح الأسواق وإزالة الحدود ما هي إلا توسيع لنطاق واستثمارات وأموال، هي موجودة أصلا في يد زمرة وبضعة آلاف من الشركات العابرة للقارات أو المتعددة الجنسيات وعشرات صناديق الاستثمار، والتي تتحكم بالعالم كونها تتحكم بـ60% من ثروة العالم، ومن يتحكم بالثروة يستطيع أن يغير المفاهيم والنظريات والقوانين، ويرسم الضوابط والمعايير والمقاييس، ويغير ويزيل ويهمش النظم سواء كانت مكتوبة ومقرؤة أو كانت منظورة وغير منظورة .... الخ.

لا بد من المبادرة، والصبر والإيمان، ودخول باب المنافسة.                                                                  

وأخيرا لا نملك في نهاية هذا الفصل إلا أن نقول للعربي المسلم:

"أيها العربي المثقل ظهره بوزر الخسارة منذ تسعمائة وخمسين عاما، بالرغم إنك من منظومة خير أمة أخرجت للناس، ومن الشهداء عليهم، لماذا لم تقم منذ تسعمائة وخمسين عاما بقيادة الناس؟ ولماذا لم تجرؤ أن تكون في المقدمة؟ لماذا تخاف أن تدخل الباب؟ هل حاولت؟ إذا لم تحاول أن تدخل الباب عليهم وتضارب وتعولم، وفق منهجك وأنموذجك الإسلامي لتكون الغالب والقائد، فهذا هو آخر يوم من أيامك؟ فتربص حتى يأتي الله بأمره.     

بالنسبة لمضاربنا أو مضاربتنا ولكل إنسان عربي ومسلم، والذين حاولنا أن نمدهـم بجميع ما يلزم من وسائل ومعلومات ونظم وأشكال وآليات ووسائل التطوير، وذلك كي يتمكنوا من النهوض بالنموذج الرباني الذي يلزم أن يكون من يقومون على تنفيذه أقوياء، ولديهم المال والقدرات الفنية والتكنولوجية والتجديد والتطوير، وذلك لردم الهوة والفجوة ما بين التخلف والأمية والبعد عن كـتـاب الله، وما بين تقدم وحضارة وعلم وتكنولوجيا، ومال خاص بالنماذج الأخرى، ومضاربنا يجب أن يأخذ نصيبه من الدنيا، وإن لا ينسى الآخرة، وحتى يتحقق هدفه بأن يكون القـرن الحادي والعشرين قرنا إسلاميا، فليقل عندما يسافر مناطق خاضعة للنماذج الأخرى، ويرى ما يرى من البنـاء والمصانع والتكنولوجيا والحدائق والمصانع والأسواق ليقل ما شاء الله، وأن يقرأ الآية الكريمة: ( فعسى ربـى أن يأتيني خير من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا) [سورة الكهف: الآية40].

        أن نموذجنا هو الحق، ولقد هجرناه فترات وحقب وقرون فهجرنا، فكانت النتيجـة، أننا تخلفنا وأصبحنا حطام وخارج التاريخ، وأصبحت الأمم والنماذج الأخـرى، تتكالب علينا وتنهك بنا، وتستعمرنا وتقتلنا وتشردنا، وكاتب هذا الكتاب هو واحد من الذين شـردوا وهاجروا في أرض الله الواسعة، بعد أن ذهبت أولى القبلتين، وثاني الحرمين ومسرى ومعراج الرسول الكريم، والأرض المباركة والمقدسة، ولكن لا بأس فالضرب والعولمة في الأرض فريضة وجهاد، ولنا على القاعديـن من حيث التفضيل درجة، والله وعد الجميع بالحسنى، فالضرب والعولمة في الأرض يلزمه التبين، والتسامح، وعدم نكران الأخر مهما كان، إذا ما ألقى السلام، واتهامه بأنه ليس مسلما أو مؤمنا.

لقد تمادى الظلم والباطل، ورأينا بشاعة الظلم والباطل فهل لنا نتعشق الحق "نموذجا الرباني" بعد أن رأينا وعشنا ولمسنا بشاعة وقسوة وظلم وقهر الباطل والنماذج الباطلة، والتي أن رضينا بها، توفتنا الملائكـة ونحن ظالمين أنفسنا حيث تقول لنا الملائكة: (فيم كنتم)! طبعا الجواب (كنا مستضعفين في الأرض) فتقول الملائكة: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) طبعا الجزاء على ذلك، (جزاؤهم جهنم وساءت مصيرا والاستثناء للرجال والنساء والوالدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) [سورة النساء: الآيات 96-98]ولا حاجة أن نقول ما هو البديل لعدم المضاربة في الأرض!

فالمطلوب كما بدأنا أول فصل بالكتاب، أن نعد الثواني، فالزمن الزمن الزمن، والتغيير التغيير، والأولويات، والعولمة التجارية والإدارية والقانونية، وتحقيق الهدف، بأن يكون القرن الحادي والعشرين قرنا إسلاميا، أنه هدف صعب ويحتاج إلى تعب ونصب، ومسارعة في الخيرات ودعاء وخشوع.

لم يترك الله سبحانه وتعالى لنا شيء في الكتاب إلا وذكره، وما من نظام في الكتاب إلا وبعكس نظام آخر في الكون أو في أنفسنا.

لقد جعل الله لنا مع العسر والصعوبة، يسر وسهولة، وأكد لنا هذه الحقيقة وكررها مرتين لأهميتها (فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا)، (فإذا فرغت فأنصب) [سورة الشرح: الآيات: 5 و6 و7] ما أجملها من أيات، فالمتأمل في معناها، يلمس عظمة هذه النظم وروعتها، يدعونا الله-سبحانه وتعالى- إلى الأعمال الصعبة والعسيرة والمتعسرة، ويقول لنا: تحقيقها سيكون بالنسبة لكم يسيرا وسهلا، ولكن بشرط عدم التوقف عندما تنتهي من مهمة، وتحقق الهدف، بل يجب أن تنصب أن تتعب بغيرها، بمهمة أخرى، بعمل آخر، بهدف أخر، باستراتيجية أخرى، باختراع آخر، باكتشاف آخر، بتجديد آخر، بسلعة أخرى،  بمنتج آخر، بخدمة أخرى، بفكرة أخرى، بنظرية أخرى، بفلسفة أخرى، بقانون أخر، بنصيحة أخرى، بخطبة أخرى، بخطوة أخرى، ولا داعي للأسى والتأسف على مضى وما فات، فما فات فات، ولا داعي أيضا للتفاؤل والفرح بما هو آت المهم أن نعمل الآن، وتلك هي المفصل ونقطة الالتقاء بين نظم الماضي ونظم الحاضر أو الآن "الزمن" وبين نظم المستقبل القادم، ولا نريد أن ننحب على ما مضى من خرص، وما أضعنا من زمن ومال وأنفس، ولا نريد أن نفرح كثيـرا ونسعد أيضا بما هو آت، فتلك مسألة فيها من الاختيال والفخر، ولا نريد أن نفجر أمامنا ونعلم المستقبل والغيب، فالله احتفظ لنفسه بالغيب، ولا يطلع أحدا على غيبه إلا من أرتضى، وبالتالي، لا نتائج مضمونة بل أمل بالنصر، وظن حسن، ووعد من الله، والله سبحانه وتعالى يقول: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب مـن قبل أن نبرأها، أن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) [سورة الحديد: الآيات22،23] أنها مفصل رئيس ما بين مفاصل النظم، وهذا المفصل يمثل السعادة، والتي تتحقق بـ (فإذا فرغت فأنصب) وهذه السعادة هي (وإلى ربك فأرغب) وما دمنا قد فرغنا من العولمة التجارية، وأشكالها وآلياتها والرؤية الإسلامية التي نراها، ونعلمها مما علمنا الله، فأننا سننصب إلى عمل نعتقد أنه أكثر صعوبة من العولمة التجارية والإدارية والقانونية وهي العولمة الاجتماعية والمالية والسياسية، والتي ستساعد مضاربنا ومضاربتنا على مشاكله التجارية والإدارية، عندما يضرب بالأرض، معولما في الأرض طبقا للنمـوذج الإسلامي. ونعوذ بالله من فتنة الكلمة (وقل ربي زدني علما) [سورة طه: الآية 144] وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

دبي في 1/5/2000